فصل: فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السعدي المسمى بـ «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» **


 فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة

فمنها أن آيات اللّه تعالى وعبره، وأيامه في الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن اللّه تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، فلا يعبأ اللّه بهم، وليس لهم منها نور وهدى‏.‏

ومنها‏:‏ أن اللّه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولى عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ اللّه أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم‏.‏

ومنها‏:‏ أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ‏[‏ولا دنياها‏}‏ ولا يكون لها إمامة فيه‏.‏

ومنها‏:‏ لطف اللّه بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن اللّه سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين‏.‏

ومنها‏:‏ أن اللّه يقدر على عبده بعض المشاق، لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا‏.‏

ومنها‏:‏ أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف‏.‏

ومنها‏:‏ أن الإيمان يزيد وينقص‏.‏ وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت من اللّه، عند المقلقات، كما قال تعالى‏.‏ ‏{‏لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها‏.‏

ومنها‏:‏ أن من أعظم نعم اللّه على عبده، و ‏[‏أعظم‏}‏ معونة للعبد على أموره، تثبيت اللّه إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه، وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال‏.‏

ومنها‏:‏ أن العبد ـ ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد اللّه نافذ لا بد منه ـ فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر اللّه، فإن اللّه قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه‏.‏

ومنها‏:‏ جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين‏.‏

ومنها‏:‏ جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك‏.‏

ومنها‏:‏ أن اللّه من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه، أن يريه من آياته، ويشهده من بيناته، ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه، لتعلم أن وعد اللّه حق‏.‏

ومنها‏:‏ أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبا، واستغفر اللّه منه‏.‏

ومنها‏:‏ أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض‏.‏

ومنها‏:‏ أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى اللّه قول القبطي ‏{‏إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏}‏ على وجه التقرير له، لا الإنكار‏.‏

ومنها‏:‏ أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة ـ بل قد يكون واجبا ـ كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحا له ومحذرا‏.‏

ومنها‏:‏ أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى‏.‏

ومنها‏:‏ أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل ‏[‏يد‏}‏ له غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، فتبعها موسى‏.‏

ومنها‏:‏ أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن اللّه لا يخيب مَنْ هذه حاله‏.‏ كما خرج موسى تلقاء مدين فقال‏:‏ ‏{‏عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}

ومنها‏:‏ أن الرحمة بالخلق، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف، من أخلاق‏:‏ الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز‏.‏

ومنها استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان اللّه عالما لها، لأنه تعالى، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ‏}

ومنها أن الحياء ـخصوصا من الكرامـ من الأخلاق الممدوحة‏.‏

ومنها‏:‏ المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين‏.‏

ومنها‏:‏ أن العبد إذا فعل العمل للّه تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض‏.‏

ومنها‏:‏ مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يقدر العمل، وإنما مرده، العرف‏.‏

ومنها أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعا‏.‏

ومنها أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه‏.‏

ومنها‏:‏ أن خير أجير وعامل ‏[‏يعمل‏}‏ للإنسان، أن يكون قويا أمينا‏.‏

ومنها‏:‏ أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}

ومنها‏:‏ جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد لقوله‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ‏}

ومنها‏:‏ ما أجرى اللّه على يد موسى من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرة، من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة اللّه لموسى وهارون، من فرعون، ومن الغرق‏.‏

ومنها‏:‏ أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات اللّه وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم اللّه بها على عبده، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا‏.‏

ومنها‏:‏ ما فيها من الدلالة على رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث أخبر بذلك تفصيلا مطابقا، وتأصيلا موافقا، قصه قصا، صدق به المرسلين، وأيد به الحق المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان، لينذر به قوما جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين‏.‏

فصلوات اللّه وسلامه، على من مجرد خبره ينبئ أنه رسول اللّه، ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول النيرة، أنه من عند اللّه، كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به، وصدقه خبر الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة، التي لا تناسب، ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أمته معظم بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان‏.‏

ولم تزل الأمم المعاندة، والملوك الكفرة المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيد له المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها، لا يزداد إلا نموا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا، وكل وقت من الأوقات، يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ، وهداية لِلْعَالمِينَ، ونور وبصيرة للمتوسمين‏.‏ والحمد للّه وحده‏.‏

‏[‏52ـ55‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ‏}‏

يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، ‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ‏}‏ وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا ‏{‏هُمْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بهذا القرآن ومن جاء به ‏{‏يُؤْمِنُونَ‏}‏

{‏وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ‏}‏ استمعوا له وأذعنوا و ‏{‏قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا‏}‏ لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة‏.‏

وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق‏.‏

قال تعالي‏:‏ ‏{‏قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا‏}‏ الآيات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ‏}‏ فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول‏.‏

‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين آمنوا بالكتابين ‏{‏يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ‏}‏ أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، ‏{‏بِمَا صَبَرُوا‏}‏ على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة‏.‏

و من خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم ‏{‏وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ‏}‏ أي‏:‏ دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم‏.‏

{‏وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ‏}‏ من جاهل خاطبهم به، ‏{‏قَالُوا‏}‏ مقالة عباد الرحمن أولي الألباب‏:‏ ‏{‏لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء‏.‏ ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه‏.‏

‏{‏سَلَامٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، ‏{‏لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ‏}‏ من كل وجه‏.‏

‏[‏56‏]‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏}

يخبر تعالى أنك يا محمد ـ وغيرك من باب أولى ـ لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد اللّه سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله‏.‏

وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏ فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا‏.‏

ولهذا، لو كان قادرا عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد اللّه تعالى‏.‏

‏[‏57ـ59‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ‏}‏

يخبر تعالى أن المكذبين من قريش وأهل مكة، يقولون للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا‏}‏ بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة‏.‏

وهذا الكلام منهم، يدل على سوء الظن باللّه تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، بل يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق‏.‏

قال اللّه مبينا لهم حالة هم بها دون الناس وأن اللّه اختصهم بها، فقال‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا‏}‏ أي‏:‏ أولم نجعلهم متمكنين ‏[‏ممكنين‏}‏ في حرم يكثره المنتابون ويقصده الزائرون، قد احترمه البعيد والقريب، فلا يهاج أهله، ولا ينتقصون بقليل ‏[‏ولا كثير‏}‏‏.‏

والحال أن كل ما حولهم من الأماكن، قد حف بها الخوف من كل جانب، وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين، فَلْيَحْمَدُوا ربهم على هذا الأمن التام، الذي ليس فيه غيرهم، وعلى الرزق الكثير، الذي يجيء إليهم من كل مكان، من الثمرات والأطعمة والبضائع، ما به يرتزقون ويتوسعون‏.‏ ولْيَتَّبِعُوا هذا الرسول الكريم، ليتم لهم الأمن والرغد‏.‏

وإياهم وتكذيبه، والبطر بنعمة الله، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا، وبعد عزهم ذلا، وبعد غناهم فقرا، ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم، فقال‏:‏

{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا‏}‏ أي‏:‏ فخرت بها، وألهتها، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل، فأهلكهم اللّه، وأزال عنهم النعمة، وأحل بهم النقمة‏.‏ ‏{‏فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ لتوالي الهلاك والتلف عليهم، وإيحاشها من بعدهم‏.‏

{‏وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ‏}‏ للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم، ثم نعيدهم إلينا، فنجازيهم بأعمالهم‏.‏

ومن حكمته ورحمته أن لا يعذب الأمم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى‏}‏ أي‏:‏ بكفرهم وظلمهم ‏{‏حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا‏}‏ أي‏:‏ في القرية والمدينة التي إليها يرجعون، ونحوها يترددون، وكل ما حولها ينتجعها، ولا تخفى عليه أخبارها‏.‏

{‏رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا‏}‏ الدالة على صحة ما جاء به، وصدق ما دعاهم إليه، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم، بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة، والأطراف النائية، فإن ذلك مظنة الخفاء والجفاء، والمدن الأمهات مظنة الظهور والانتشار، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم‏.‏

{‏وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ‏}‏ بالكفر والمعاصي، مستحقون للعقوبة‏.‏ والحاصل‏:‏ أن اللّه لا يعذب أحدا إلا بظلمه، وإقامة الحجة عليه‏.‏

‏[‏60ـ61‏]‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ‏}

هذا حض من الله لعباده على الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وعلى الرغبة في الأخرى، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه، ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق، من الذهب، والفضة، والحيوانات والأمتعة، والنساء، والبنين، والمآكل، والمشارب، واللذات، كلها متاع الحياة ‏[‏الدنيا‏}‏ وزينتها، أي‏:‏ يتمتع به وقتا قصيرا، متاعا قاصرا، محشوا بالمنغصات، ممزوجا بالغصص‏.‏

ويزين به زمانا يسيرا، للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، وينقضي جميعا، ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم، والخيبة والحرمان‏.‏

{‏وَمَا عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ من النعيم المقيم، والعيش السليم ‏{‏خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏ أي‏:‏ أفضل في وصفه وكميته، وهو دائم أبدا، ومستمر سرمدا‏.‏

‏{‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفلا يكون لكم عقول، بها تزنون أي‏:‏ الأمور أولى بالإيثار، وأي‏:‏ الدارين أحق للعمل لها فدل ذلك أنه بحسب عقل العبد، يؤثر الأخرى على الدنيا، وأنه ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في عقله، ولهذا نبه العقول على الموازنة بين عاقبة مؤثر الدنيا ومؤثر الآخرة، فقال‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ‏}

أي‏:‏ هل يستوي مؤمن ساع للآخرة سعيها، قد عمل على وعد ربه له، بالثواب الحسن، الذي هو الجنة، وما فيها من النعيم العظيم، فهو لاقيه من غير شك ولا ارتياب، لأنه وعد من كريم صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، لعبد قام بمرضاته وجانب سخطه، ‏{‏كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ فهو يأخذ فيها ويعطي، ويأكل ويشرب، ويتمتع كما تتمتع البهائم، قد اشتغل بدنياه عن آخرته، ولم يرفع بهدى الله رأسا، ولم ينقد للمرسلين، فهو لا يزال كذلك، لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك‏.‏

{‏ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ‏}‏ للحساب، وقد علم أنه لم يقدم خيرا لنفسه، وإنما قدم جميع ما يضره، وانتقل إلى دار الجزاء بالأعمال، فما ظنكم إلى ما يصير إليه‏؟‏ وما تحسبون ما يصنع به‏؟‏ فليختر العاقل لنفسه، ما هو أولى بالاختيار، وأحق الأمرين بالإيثار‏.‏

‏[‏62ـ66‏]‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ‏}

هذا إخبار من اللّه تعالى، عما يسأل عنه الخلائق يوم القيامة، وأنه يسألهم عن أصول الأشياء، وعن عبادة اللّه وإجابة رسله، فقال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ ينادي من أشركوا به شركاء يعبدونهم، ويرجون نفعهم، ودفع الضرر عنهم، فيناديهم، ليبين لهم عجزها وضلالهم، ‏{‏فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ‏}‏ وليس للّه شريك، ولكن ذلك بحسب زعمهم وافترائهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ فأين هم، بذواتهم، وأين نفعهم وأين دفعهم‏؟‏

ومن المعلوم أنه يتبين لهم في تلك الحال، أن الذي عبدوه، ورجوه باطل، مضمحل في ذاته، وما رجوا منه، فيقرون على أنفسهم بالضلالة والغواية‏.‏

ولهذا ‏{‏قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ‏}‏ الرؤساء والقادة، في الكفر والشر، مقرين بغوايتهم وإغوائهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا هَؤُلَاءِ‏}‏ التابعون ‏{‏الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا‏}‏ أي‏:‏ كلنا قد اشترك في الغواية، وحق عليه كلمة العذاب‏.‏

‏{‏تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ‏}‏ من عبادتهم، أي‏:‏ نحن برآء منهم ومن عملهم‏.‏ ‏{‏مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ‏}‏ وإنما كانوا يعبدون الشياطين‏.‏

‏{‏وَقِيلَ‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ‏}‏ على ما أملتم فيهم من النفع فأمروا بدعائهم في ذلك الوقت الحرج، الذي يضطر فيه العابد إلى من عبده‏.‏

‏{‏فَدَعَوْهُمْ‏}‏ لينفعوهم، أو يدفعوا عنهم من عذاب اللّه من شيء‏.‏ ‏{‏فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ‏}‏ فعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين مستحقين للعقوبة، ‏{‏وَرَأَوُا الْعَذَابَ‏}‏ الذي سيحل بهم عيانا، بأبصارهم بعد ما كانوا مكذبين به، منكرين له‏.‏

{‏لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ لما حصل عليهم ما حصل، ولهدوا إلى صراط الجنة، كما اهتدوا في الدنيا، ولكن لم يهتدوا، فلم يهتدوا‏.‏

{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ هل صدقتموهم، ‏[‏واتبعتموهم‏}‏ أم كذبتموهم وخالفتموهم‏؟‏

{‏فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لم يحيروا عن هذا السؤال جوابا، ولم يهتدوا إلى الصواب‏.‏

ومن المعلوم أنه لا ينجى في هذا الموضع إلا التصريح بالجواب الصحيح، المطابق لأحوالهم، من أننا أجبناهم بالإيمان والانقياد، ولكن لما علموا تكذيبهم لهم وعنادهم لأمرهم، لم ينطقوا بشيء، ولا يمكن أن يتساءلوا ويتراجعوا بينهم في ماذا يجيبون به، ولو كان كذبا‏.‏

‏[‏67‏]‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ‏}

لما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم وعن رسلهم، ذكر الطريق الذي ينجو به العبد من عقاب اللّه تعالى، وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة من الشرك والمعاصي، وآمن باللّه فعبده، وآمن برسله فصدقهم، وعمل صالحا متبعا فيه للرسل، ‏{‏فَعَسَى أَنْ يَكُونَ‏}‏ من جمع هذه الخصال ‏{‏مِنَ الْمُفْلِحِينَ‏}‏ الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب، فلا سبيل إلى الفلاح بدون هذه الأمور‏.‏

‏[‏68ـ70‏]‏ ‏{‏وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}

هذه الآيات، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر ‏[‏والأزمان‏}‏ والأماكن، وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء، وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك، والظهير، والعوين، والولد، والصاحبة، ونحو ذلك، مما أشرك به المشركون، وأنه العالم بما أكنته الصدور وما أعلنوه، وأنه وحده المعبود المحمود في الدنيا والآخرة، على ماله من صفات الجلال والجمال، وعلى ما أسداه إلى خلقه من الإحسان والإفضال‏.‏

وأنه هو الحاكم في الدارين، في الدنيا، بالحكم القدري، الذي أثره جميع ما خلق وذرأ، والحكم الديني، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي‏.‏

وفي الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏

فيجازي كلا منكم بعمله، من خير وشر‏.‏

‏[‏71ـ73‏]‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}

هذا امتنان من اللّه على عباده، يدعوهم به إلى شكره، والقيام بعبوديته وحقه، أنه جعل لهم من رحمته النهار ليبتغوا من فضل اللّه، وينتشروا لطلب أرزاقهم ومعايشهم في ضيائه، والليل ليهدأوا فيه ويسكنوا، وتستريح أبدانهم وأنفسهم من تعب التصرف في النهار، فهذا من فضله ورحمته بعباده‏.‏

فهل أحد يقدر على شيء من ذلك‏؟‏ فلو جعل ‏{‏عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ‏}‏ مواعظ اللّه وآياته سماع فهم وقبول وانقياد، ولو جعل ‏{‏عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ‏}‏ مواقع العبر، ومواضع الآيات، فتستنير بصائركم، وتسلكوا الطريق المستقيم‏.‏

وقال في الليل ‏{‏أَفَلَا تَسْمَعُونَ‏}‏ وفي النهار ‏{‏أَفَلَا تُبْصِرُونَ‏}‏ لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر، وعكسه النهار‏.‏ وفي هذه الآيات، تنبيه إلى أن العبد ينبغي له أن يتدبر نعم اللّه عليه، ويستبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها، فإنه إذا وازن بين حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة، بخلاف من جرى مع العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرا، ولا يزال‏.‏ وعمي قلبه عن الثناء على اللّه، بنعمه، ورؤية افتقاره إليها في كل وقت، فإن هذا لا يحدث له فكرة شكر ولا ذكر‏.‏

‏[‏74ـ75‏]‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}

أي‏:‏ ويوم ينادي اللّه المشركين به، العادلين به غيره، الذين يزعمون أن له شركاء، يستحقون أن يعبدوا، وينفعون ويضرون، فإذا كان يوم القيامة، أراد اللّه أن يظهر جراءتهم وكذبهم في زعمهم وتكذيبهم لأنفسهم فـ ‏{‏يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ أي‏:‏ بزعهم، لا بنفس الأمر، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون‏}

فإذا حضروا وإياهم، نزع ‏{‏مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ‏}‏ من الأمم المكذبة ‏{‏شَهِيدًا‏}‏ يشهد على ما جرى في الدنيا، من شركهم واعتقادهم، وهؤلاء بمنزلة المنتخبين‏.‏

أي‏:‏ انتخبنا من رؤساء المكذبين من يتصدى للخصومة عنهم، والمجادلة عن إخوانهم، ومن هم وإياهم على طريق واحد، فإذا برزوا للمحاكمة ‏{‏فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ‏}‏ حجتكم ودليلكم على صحة شرككم، هل أمرناكم بذلك‏؟‏ هل أمرتكم رسلي‏؟‏ هل وجدتم ذلك في شيء من كتبي‏؟‏ هل فيهم أحد يستحق شيئا من الإلهية‏؟‏ هل ينفعونكم، أو يدفعون عنكم من عذاب اللّه أو يغنون عنكم‏؟‏ فليفعلوا إذا ‏[‏إن‏}‏ كان فيهم أهلية وليروكم إن كان لهم قدرة، ‏{‏فَعَلِمُوا‏}‏ حينئذ بطلان قولهم وفساده، و ‏{‏أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ‏}‏ تعالى، قد توجهت عليهم الخصومة، وانقطعت حجتهم، وأفلجت حجة اللّه، ‏{‏وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏ من الكذب والإفك، واضمحل وتلاشى وعدم، وعلموا أن اللّه قد عدل فيهم، حيث لم يضع العقوبة إلا بمن استحقها واستأهلها‏.‏

‏[‏76ـ82‏]‏ ‏{‏إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ‏}‏ إلى آخر القصة

يخبر تعالى عن حالة قارون وما ‏[‏فعل‏}‏ وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى‏}‏ أي‏:‏ من بني إسرائيل، الذين فُضِّلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتن اللّه عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، ولكن قارون هذا، بغى على قومه وطغى، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية ‏{‏وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ‏}‏ أي‏:‏ كنوز الأموال شيئا كثيرا، ‏{‏مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ‏[‏أُولِي الْقُوَّةِ‏}‏ والعصبة‏}‏، من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك‏.‏ أي‏:‏ حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها، هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن‏؟‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ‏}‏ ناصحين له محذرين له عن الطغيان‏:‏ ‏{‏لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة، فإن اللّه لا يحب الفرحين بها، المنكبين على محبتها‏.‏

{‏وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ‏}‏ أي‏:‏ قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، ‏{‏وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، ‏{‏وَأَحْسَنُ‏}‏ إلى عباد اللّه ‏{‏كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏}‏ بهذه الأموال، ‏{‏وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ‏}‏ بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة‏.‏

فـ ‏{‏قَالَ‏}‏ قارون ـرادا لنصيحتهم، كافرا بنعمة ربهـ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي‏}

أي‏:‏ إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من اللّه بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحوني على ما أعطاني للّه تعالى‏؟‏ قال تعالى مبينا أن عطاءه، ليس دليلا على حسن حالة المعطي‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا‏}‏ فما المانع من إهلاك قارون، مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم، إذ فعل ما يوجب الهلاك‏؟‏‏.‏

{‏وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ بل يعاقبهم اللّه، ويعذبهم على ما يعلمه منهم، فهم، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، وشهدوا لها بالنجاة، فليس قولهم مقبولا، وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب شيئا، لأن ذنوبهم غير خفية، فإنكارهم لا محل له، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه، وعدم قبول نصيحة قومه، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه، وغره ما أوتيه من الأموال‏.‏

‏{‏فَخَرَجَ‏}‏ ذات يوم ‏{‏فِي زِينَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقته في تلك الحالة العيون، وملأت بِزَّتُهُ القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة‏.‏

فـ ‏{‏قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ الذين تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، ‏{‏يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ‏}‏ من الدنيا ومتاعها وزهرتها ‏{‏إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏}‏ وصدقوا إنه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر منتهيا إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا، دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم، بحسب همتهم، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها، لَمِنْ أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية‏.‏

{‏وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏}‏ الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر أولئك إلى ظاهرها‏:‏ ‏{‏وَيْلَكُمْ‏}‏ متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم‏:‏ ‏{‏ثَوَابُ اللَّهِ‏}‏ العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه‏.‏ والآجل من الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفق له ‏{‏إِلَّا الصَّابِرُونَ‏}‏ الذين حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له، فهؤلاء الذين يؤثرون ثواب اللّه على الدنيا الفانية‏.‏

فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازَّيَّنَتْت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب ‏{‏فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ‏}‏ جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد اللّه، أنزله اللّه أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه‏.‏

{‏فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ‏}‏ أي‏:‏ جماعة، وعصبة، وخدم، وجنود ‏{‏يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر‏.‏

{‏وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ‏}‏ أي‏:‏ الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا‏:‏ ‏{‏يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ‏}‏ ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم‏:‏ ‏{‏وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ‏}‏ أي‏:‏ يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏}‏ و ‏{‏لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا‏}‏ فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومنته ‏{‏لَخَسَفَ بِنَا‏}‏ فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير فكرهم الأول‏.‏

{‏وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏

‏[‏83‏]‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}

لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا‏:‏ ‏{‏ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا‏}‏ رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ‏}‏ التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت ‏[‏بها‏}‏ رسله، التي ‏[‏قد‏}‏ جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، ‏{‏نَجْعَلُهَا‏}‏ دارا وقرارا ‏{‏لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق ‏{‏وَلَا فَسَادًا‏}‏ وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح‏.‏

وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَالْعَاقِبَةُ‏}‏ أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم ـوإن حصل لها بعض الظهور والراحةـ فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب‏.‏ وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب

‏[‏84‏]‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}

يخبر تعالى عن مضاعفة فضله، وتمام عدله فقال‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ‏}‏ شرط فيها أن يأتي بها العامل، لأنه قد يعملها، ولكن يقترن بها ما لا تقبل منه أو يبطلها، فهذا لم يجيء بالحسنة، والحسنة‏:‏ اسم جنس يشمل جميع ما أمر اللّه به ورسوله، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله تعالى وحق عباده، ‏{‏فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ أعظم وأجل، وفي الآية الأخرى ‏{‏فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا‏}‏‏}‏

هذا التضعيف للحسنة، لا بد منه، وقد يقترن بذلك من الأسباب ما تزيد به المضاعفة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ بحسب حال العامل وعمله، ونفعه ومحله ومكانه، ‏{‏وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ‏}‏ وهي كل ما نهى الشارع عنه، نَهْيَ تحريم‏.‏ ‏{‏فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ‏}

‏[‏85ـ88‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}

يقول تعالى ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ‏}‏ أي‏:‏ أنزله، وفرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، والدعوة لأحكام جميع المكلفين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد، يجازي فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم‏.‏

وقد بينت لهم الهدى، وأوضحت لهم المنهج، فإن تبعوك، فذلك حظهم وسعادتهم، وإن أبوا إلا عصيانك والقدح بما جئت به من الهدى، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق، فلم يبق للمجادلة محل، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب والشهادة، والحق والمبطل‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ وقد علم أن رسوله هو المهتدي الهادي، وأن أعداءه هم الضالون المضلون‏.‏

{‏وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ‏}‏ أي‏:‏ لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا‏.‏ ‏{‏إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏}‏ بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، ‏[‏علمت‏}‏ أن جميع ما أمر به ونهى عنه، فإنه رحمة وفضل من اللّه، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن مخالفه أصلح وأنفع‏.‏

{‏فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة‏.‏

{‏وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ‏}‏ بل أبلغها وأنفذها، ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها، ولا تتبع أهواءهم‏.‏

{‏وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ‏}‏ أي اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك، فكل ما خالف ذلك فارفضه، من رياء، أو سمعة، أو موافقة أغراض أهل الباطل، فإن ذلك داع إلى الكون معهم، ومساعدتهم على أمرهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ لا في شركهم، ولا في فروعه وشعبه، التي هي جميع المعاصي‏.‏

{‏وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ‏}‏ بل أخلص للّه عبادتك، فإنه ‏{‏لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏}‏ فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ويعبد، إلا اللّه الكامل الباقي الذي ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏}‏ وإذا كان كل شيء هالكا مضمحلا، سواه فعبادة الهالك الباطل باطلة ببطلان غايتها، وفساد نهايتها‏.‏ ‏{‏لَهُ الْحُكْمُ‏}‏ في الدنيا والآخرة ‏{‏وَإِلَيْهِ‏}‏ لا إلى غيره ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ فإذا كان ما سوى اللّه باطلا هالكا، واللّه هو الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، ليجازيهم بأعمالهم، تعيَّن على من له عقل، أن يعبد اللّه وحده لا شريك له، ويعمل لما يقربه ويدنيه، ويحذر من سخطه وعقابه، وأن يقدم على ربه غير تائب، ولا مقلع عن خطئه وذنوبه‏.‏

تم تفسير سورة القصص ـوللّه الحمد والثناء والمجد دائما أبداـ‏.‏